المولد في تونس: جذور تاريخية، جغرافيا العصيدة، وحكاية ولادة عصيدة الزقوقو


يُعتبر يوم المولد النبوي الشريف (12 ربيع الأول) مناسبةً مميّزة في تونس، يجتمع فيها البعد الروحي بالطقوس الاجتماعية. فإلى جانب حلقات الذكر والإنشاد والخطب الدينية، تتصدّر العصيدة زقوقو المشهد كأكلة رمزية يتبادلها التونسيون بين العائلات والجيران. لكن كيف وصل الاحتفال بالمولد إلى تونس؟ ولماذا ارتبطت به العصيدة؟ وكيف وُلدت "العصيدة زقوقو" وأصبحت علامة وطنية؟من مصر الفاطمية إلى تونس الحفصية
تعود أولى الاحتفالات بالمولد إلى القرن العاشر والحادي عشر في مصر الفاطمية حيث أُقيمت مواكب وخطب وتوزيع صدقات. وفي 1207، سجّل التاريخ أول احتفال رسمي في العالم السني بمدينة أربيل العراقية برعاية الأمير مظفر الدين كوكبوري.
في تونس، رسّخ الحفصيون (القرن 13–16) عادة الاحتفال بالمولد من خلال تلاوة السيرة في جامع الزيتونة والمساجد الكبرى، وتوزيع المساعدات الخيرية، ومشاركة الطرق الصوفية. وفي العصر الحديث، أصبح المولد يوم عطلة وطنية تحتفي به المدن الكبرى، وخاصة القيروان وتونس العاصمة، عبر مواكب ومحاضرات وأناشيد دينية.
العصيدة: طقس غذائي واجتماعي
يرتبط المولد في بلدان المشرق والمغرب بتحضير حلويات تقليدية. وفي تونس، برزت العصيدة كطبق قديم يُقدّم ساخناً أو فاتراً، من السميد أو الفارينة مع العسل والزبدة. كانت تُعرف باسم "العصيدة البيضا" وتُعتبر طبقا نذريا يُحضَّر للبركة ويُوزّع على الأقارب والجيران.
من مجاعة القرن 19 إلى ولادة "العصيدة زقوقو"
ظهرت "العصيدة زقوقو" في أواخر القرن التاسع عشر، بعد المجاعة الكبرى (1867–1869) التي دفعت التونسيين للبحث عن بدائل غذائية إثر ندرة الحبوب. لجأت العائلات إلى بذور الصنوبر الحلبي (الزقوقو) المنتشر في غابات الشمال والشمال الغربي (الكاف، جندوبة، سليانة، زغوان). تحوّل هذا الحلّ الاضطراري إلى عادة غذائية ثم طقس احتفالي متوارث.
لماذا في تونس حصراً؟
ثلاثة عوامل فسّرت خصوصية "العصيدة زقوقو":
* الوفرة الطبيعية: وجود مساحات واسعة من غابات الصنوبر الحلبي.
* الموسمية: تزامن المولد غالباً مع فترة جني البذور في الخريف والشتاء.
* ثقافة المشاركة: العصيدة طبق جماعي يُحضَّر ويوزّع، وهو ما انسجم مع روح المولد.
من الندرة إلى رمز وطني
مع بدايات القرن العشرين، انتقلت وصفة "العصيدة زقوقو" إلى المدن الكبرى حيث تزيّنت بطبقات إضافية (كريمة بيضاء) وزُيّنت بالمكسّرات. ومع السبعينات، أصبحت رمزاً للرفاه والاحتفال، وتحوّلت إلى الحلوى الرسمية للمولد في تونس.
هل توجد خارج تونس؟
العصيدة بمفهومها العام (porridge) موجودة في دول المغرب والمشرق (ليبيا، الجزائر، المغرب، اليمن). لكن "عصيدة الزقوقو" تبقى خصوصية تونسية خالصة، إذ تعتمد دول أخرى على السميد أو التمر أو العسل في وصفاتها الاحتفالية.
خلاصة
المولد في تونس ليس فقط مناسبة روحية، بل أيضاً اجتماعياً وثقافياً. و"العصيدة زقوقو" تختصر قصة وطنية: وُلدت من رحم المجاعة، وتحوّلت إلى طبق احتفالي جامع، يُحضّر بحب ويُزيّن بالكرم، حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الهوية التونسية.
مبروك المولد لكل التونسيين.
تعليقات


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
يرجى إدخال الرمز أدناه
*



تحديث الرمز

(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)