لن تكون جريمة القتل البشعة التي ذهبت ضحيتها الفتاة «رحمة» – رحمها الله – لا الأخيرة ولا الأبشع ما لم تعمل الدولة على مزيد تطوير منظومة مكافحة الإجرام بمختلف مكوناتها.. فالجرائم ما انفكت تتعدد وتزداد بشاعة من يوم إلى آخر وما انفك مُرتكبوها يُطورون أساليب ووسائل التخطيط والتنفيذ، فتعدّدت تبعا لذلك جرائم السرقة والسلب و»البراكاج» المتبوعة أحيانا بالقتل أو التعنيف أو التشويه أو التي تتسبّب في سقوط بدني، وجرائم الاغتصاب التي يستهدف بعضها الأطفال والقصّر. ورغم أن المنظومة القانونية الجزائية في تونس تغطي مختلف أنواع جرائم الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، بما في ذلك الجرائم الأكثر بشاعة، ورغم أن المنظومتين الأمنية والقضائية تقومان بدورهما كاملا في هذا المجال، إلا أن ذلك يبدو غير كاف في نظر الرأي العام.وتواجه المنظومة القانونية تهمة عدم رصد العقوبات الرادعة لمرتكبي هذه الجرائم وبعدم تطوير النصوص الجزائية تماشيا مع تطور الجرائم وتعددها وازدياد منسوب البشاعة فيها. أما المنظومة الامنية فهي متهمة بالتقصير في التصدي للجريمة وفي التساهل مع المنحرفين وعدم بذل الجهود الكافية للقبض عليهم، بدليل وجود البعض منهم في حالة سراح رغم صدور عديد مناشير التفتيش في شأنهم. كما أن المنظومة القضائية تواجه بدورها تهمة التساهل مع مرتكبي الجرائم خاصة البشعة من خلال إصدار أحكام مخففة والإطناب في اعتماد ظروف التخفيف تجاه المجرمين. فيما يتهم آخرون منظومة العفو بالقول انها تساهم أحيانا في الإفراج عن مجرمين دون تدقيق وهو ما يتسبب في عودة كثيرين منهم إلى عالم الجريمة وأحيانا بأكثر خطورة وعدوانية..
وتزداد حدة الاتهامات الموجهة لمختلف هذه المنظومات في ظل الجدل القائم حول عقوبة «الإعدام»، بين من ينادي بتطبيقها استنادا إلى تواصل العمل بها في النصوص القانونية وتواصل الحكم بها في المحاكم، وبين من يطالب بإلغائها اقتداء بعديد الدول الأخرى التي تخلت عنها استنادا إلى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي لا يمكن لتونس معارضتها. إذ يعتبر كثيرون أنها العقوبة الأكثر نجاعة لردع الجرائم البشعة بينما يقول آخرون أنها لا تحقق الردع بالشكل الكافي وهناك من يذهب حد القول أن السجن لمدة طويلة أو مدى الحياة من شأنه أن يُحقق الردع أكثر من الإعدام بالنظر إلى تسببه في آثار نفسية ومعنوية كبرى على المجرم .. في حين لم تحسم الدولة إلى حد الآن هذا الجدل وهو ما يزيد من منسوب الاحتقان بمناسبة وقوع جريمة عقوبتها الإعدام.
في خضم كل هذا الجدل، يتناسى كثيرون الدور الأهم في القضاء على الجريمة والذي يجب أن تلعبه الدولة والمجتمع.. فالقانون مهما كان تشدده، والامن مهما كانت قوته، والقضاء مهما كانت صرامته، لن يقدروا لوحدهم على ردع أو «تخويف» شاب انقطع مبكرا عن الدراسة ويعيش عاطلا عن العمل وسط عائلة فقيرة الحال ووسط حي شعبي مُهمش تجاهلته الدولة على مرّ السنين، لا تنمية ولا وسائل ترفيه فيه، فضاقت به كل السبل ليجد نفسه مضطرا إلى الارتماء في أحضان الجريمة.. ولن يقدروا لوحدهم أيضا على ردع شاب أهملت عائلته العناية والإحاطة به ولم توقف الدولة نزيف انتشار المخدرات بشكل واسع في محيطه، فاستقطبه عالم الجريمة بسرعة .
إن مسؤولية التصدي للجريمة مسؤولية جماعية تهمُّ كل الأطراف بدءا بالمشرّع ثم الدولة فالمجتمع والعائلة والمجتمع المدني وصولا إلى الأمن ثم القضاء، وذلك ضمن مشروع وطني متكامل. عدا ذلك لن يتوقف النزيف ولن تكون جريمة قتل رحمة الأخيرة أو الاكثر بشاعة.
تاريخ الإضافة : 26/09/2020
مضاف من طرف : infos-tunisie
المصدر : www.alchourouk.com