القيروان - A la une

مع الشروق.. مطمورة روما المهملة!


قبل حوالي قرن كانت اغلب الضيعات الفلاحية في تونس والتي كانت على ملك معمرين اجانب في ذلك الوقت ، من أكثر الضيعات انتاجا وانتاجية ، ليس في تونس فحسب وانما في اروبا كذلك ، حتى ان بعضها كان في منافسة حادة مع اشهر المركبات الفلاحية في فرنسا، اذ كانت بعض الضيعات في الشمال الغربي مثلا ، على غرار ضيعة الاباء البيض في منطقة تيبار ، وضيعة الكدية او ضيعة كايو (نسبة الى صاحبها موريس كايو المهندس الزراعي الفرنسي الذي كان وراء بعث معهد كايو في تونس) في بوسالم تعد نموذجا للضيعات الفلاحية الحديثة ومدرسة للتعليم والتكوين الزراعي والفلاحي يقصدها طلاب الهندسة الزراعية من كافة انحاء اوروبا.ويذكر ان عديد السلالات من الابقار والاغنام المشهورة في العالم اليوم ، اضافة الى ما يعرف بالقمح الصلب ، تم اعدادها داخل هذه الضيعات . كما بلغ مردود الهكتار الواحد من الحبوب في احدى هذه الضيعات حوالي 25 قنطار في ذلك الوقت، دون الحديث عن مردود زراعة العنب القياسية وجودته بالخصوص مقارنة بفرنسا ...
ماذا بقي من هذه الضيعات الفلاحية ولماذا اندثر بعضها وتقلص انتاج بعضها الاخر حتى لا نقول توقف او يكاد ، بل ان هناك حديثا حتى عن خسارتها في كل موسم ؟
يمر اليوم اكثر من نصف قرن على تاريخ اعلان الجلاء الزراعي وعودة كل هذه الضيعات الفلاحية
وغيرها من املاك المعمرين الاجانب الى الدولة التونسية ، ولكن بدل ان يتطور انتاج هذه
المؤسسات او على الاقل يتواصل بنفس الوتيرة التي كان عليها قبل حوالي قرن ، فقد شح مردودها
وباتت عاجزة حتى عن البقاء ، دون الحديث عن اندثار عدد منها نتيجة الاهمال وسوء الادارة وعجز الدولة عن الاستثمار فيها كما كان يفعل المعمرون والسلطة الفرنسية زمن الحماية .
ولعل اول عملية تدمير تتعرض اليها هذه الضيعات بعد استرجاعها من المعمرين الاجانب كانت بالتفويت في بعضها كغنيمة حرب او غنيمة استعمار تم توزيعها على المقربين من النظام الحاكم في ذلك الوقت دون ان يكون لهم ادنى اهتمام فلاحي او استثمار زراعي وهو ما حول هذه الضيعات من اراض زراعية خصبة الى مجرد عقار للامتلاك او البيع حتى ان بعضها وخصوصا القريب منها من المدن الكبرى بيع كأراض او مقسمات للبناء ...
ورغم بعض المحاولات لاستصلاح عدد من هذه الضيعات والاراضي الزراعية عموما وذلك بالتفويت فيها سواء لفائدة الخواص او خريجي المدارس الفلاحية بعقود ايجار طويلة المدى ، فان غالبية الضيعات ظلت مهملة الى اليوم تبكي زمن مجدها مع المعمرين الاجانب خلال النصف الاول من القرن الماضي . ويكفي ان نتجول في منطقة الشمال الغربي في جهة المنشار على سبيل المثال قريبا من باجة ، او في الروماني قريبا من بوسالم او الكدية قريبا من تيبار حيث توجد كذلك ضيعة الاباء البيض وضيعات اخرى ، لنرى حجم الاهمال والدمار الذي لحق الضيعات الفلاحية الموجودة هناك والتي كانت تختزل بالفعل مقولة " مطمورة روما " .
آن الاوان اليوم في ظل شح الانتاج الفلاحي في تونس وغلائه في الاسواق العالمية للتعجيل بمراجعة كل الضيعات الفلاحية وخصوصا التابعة منها لاملاك الدولة والبحث في كيفية استغلالها كما كان يفعل المعمرون الاجانب قبل الاستقلال وذلك بالتشجيع على الاستثمار فيها سواء لفائدة المستثمرين التونسيين او حتى الاجانب من خلال طلب عروض وطنية ودولية والتركيز على المشاريع الفلاحية في القمم الدولية للتنمية على غرار القمة الامريكية الافريقية التي ستلتئم في واشنطن موفى العام الجاري .
محسن عبد الرحمان
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
يرجى إدخال الرمز أدناه
*



تحديث الرمز

(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)